حجم الخط

مديحة عمارة تروي وقائع جمعة الشهداء:أنا مصرية

2/20/2011 8:29 pm

كتب:

*  اليوم هو الجمعة الثامن عشر من فبراير.. هو اليوم الذي أعلنا عنه يومًا لتجمع جديد على أرض ميدان التحرير نصلي فيه صلاة الغائب على أرواح شهداء ثورة مصر الأبرار..
أسبوع قد مضي بين اليوم ويوم الانتصار (الحادي عشر من فبراير2011).. وبين اليوم ويوم انطلاقة الثورة (الخامس والعشرين من يناير 2011) مضي أربعة وعشرون يوما.. إنها تواريخ ليست ككل التواريخ، إنها تواريخ أرقامها من نور، والأفعال فيها بكل ما تحمله من تفاصيل لا ولن يكفيها صفحات في جريدة.. إنها تحتاج إلى صفحات في كتب، بل إلى مجلدات..
*  أخذت أنظر إلى وجهي في المرآة وأنا أتوضأ لصلاة فجر هذا اليوم، منذ فترة ليست بقصيرة لم أعد أحب وجهي ولا أنظر إليه إلا مصادفة، وعندما كانت تحدث المصادفة وأنظر إليه كنت أنكره كأنه ليس وجهي.. اليوم وأنا أتوضأ تمعنت في وجهي وأحببته حبي لكل شيء صاف وحقيقي.. أحببت وجهي لأن ملامحه تثبت مصريتي.. فخورة أنا بأنني بنت لمصر.. فخورة أنا بأنني واحدة من هذا الشعب البطل..
زمن طويل بقدر طول الثلاثين سنة ونحن نفتقد الشعور بالفخر.. منذ زمن طويل أصبح مواطنو بلدي مصر وكما عنوان لعمود كتبته منذ ما يقرب من الثلاثة أعوام (ملطشة جوه وملطشة بره).. ثلاثون سنة محملة بأثقال من الذكريات السوداء كم عصفت بعقولنا وكم كسرت أرواحنا وكم مزقت قلوبنا..
اليوم وأنا أكتب هذه السطور في غرفة مكتبي بجريدتي (العربي) أخذت أنظر إلى (فيديو) وصلني يعرض لحظة دخول أحمد عز وأحمد المغربي وجرانة إلى محبسهم في سجن طرة.. أخذت أردد بصوت عال: (يا الله عليكي يا دنيا حقا إنك دوارة..) أكررها وأنا أتذكر كيف كان يقف أحمد عز بصلف من امتلك الدنيا والآخرة يكذب ويتجبر ويتحكم ويحقر من شعب نعل حذاء أصغر طفل فيه برأسه ورأس كل عضو في حزب كان هو أمين تنظيمه.. اليوم أشاهد من سرقوا مصر أخيرا يعاقبون ويحاسبون ويجرسون حتى وإن وضع ضباط الشرطة كرسياً أمام سيارة الشرطة لمساعدتهم في الهبوط..
منتصر أنت يا شعب مصر يا أيها البطل.. يالفخري واعتزازي لأنني أحمل لقبك (مصرية أنا.. مصرية أنا)..
دعوني أعبر عن فخري.. دعوني أقص عليكم بعض لقطات تقول كيف ينظر الآخرون إلى شعب مصر:
*  أصدقاء عديدون من أبناء الوطن العربي يعيشون في أماكن مختلفة من العالم، يتواصلون معي عن طريق الهاتف سواء محادثة أو رسائل أو بالإيميل منذ بداية الثورة وحتى اليوم .. وأقسم بالله أن أغلبية ما سمعته منهم أو قرأته في رسائلهم يقول بوضوح هذه الجملة التي كم اقشعر لها بدني وتراقص لها قلبي (أحذيتكم يا مصريون فوق رؤوسنا).. هل رأيتم يا أبناء مصر يا أبطال كيف هي صورتكم الآن وكيف هو قدركم الآن لدي أشقائكم من أبناء الوطن العربي؟
*  لي صديقة هي صديقة عمري تعيش في ولاية (نورث كارولينا) في أمريكا اتصلت بي هاتفيا تحكي لي عن شاب عربي يعتبر من الجيل الثالث هناك، ويتحدث العربية بصعوبة، شاهدت صديقتي حماسه في تتبعه لأخبار الثورة ثم فرحته الشديدة بعد الانتصار، وسألته بسبب ملامحه (هل أنت سوداني أم أنك مصري؟) فأجابها: (لا السؤال هكذا خطأ.. الصح أن تسأليني هل أنت سوداني أم أنك بطل؟) يا الله على الفخر والشموخ.. الحمد لك والشكر لك يا رب..
* نفس الصديقة تحكي عن الطفل ابن الجيران ذي الثماني سنوات الذي فرض عليه متابعة أخبار ثورة مصر لأن التلفزيونات الأمريكية التي لم تكن تعير مصر انتباها أصبحت أخبار مصر شاغلها الشاغل.. الطفل أخذ من صديقتي علمًا لمصر ووقف وهو الذي لا يعرف من العربية حرفا يهتف ملوحا بعلم مصر وبحروف متلعثمة: (الشعب يريد إسقاط النظام).. صديقتي تعيش هناك منذ 15 عاما وأوصلها نظام مصر البائد الخائب الهزيل أنها كانت تنكر مصريتها مدعية أنها إسبانية الأصل.. لا إنها لم تكن خائنة لبلدها فأنا أعلم قدر وطنيتها، لكن الخونة الذين كانوا يحكمون مصر وأضعفوها وقزموها وأفقروها ومارسوا باسمها التسول وبعدها يسرقونها جعل صديقتي تتقزم داخليا دون ذنب وتصل إلى التخفي في جنسية أخرى خجلا.. أما اليوم فهي تسمع كما أسمع جملة شديدة المعني والرسالة تقول: (أحذيتكم فوق رؤوسنا يا مصريين) فحمدا لك يا الله.. وشكرا لك يا أبناء مصر يا أبطال..
* اليوم أنا لا أكتب موضوعا صحفيا تقليديا.. فعهد كل شيء تقليدي انتهي.. اليوم أتحدث عن فرحتي بمصريتي فسامحوني إذا ما أسهبت وقفزت بين معني ومعني ورسالة ورسالة.. اليوم تسلقت المتاريس التي زرعها الجيش أو الأمن أو الشرطة ـ لا يهم ـ وأنا التي لم أفعلها في حياتي حتى وأنا طفلة.. اليوم حملني من حملوني كي أصعد المنصة الخشبية المصنوعة من سقالات خشبية قابلة للسقوط كي أقف أناشد الأربعة ملايين الموجودين في ميدان التحرير بمواصلة جهادنا كي ننتهي من بقايا النظام الفاسد البائد المتمثلة في أحمد شفيق وحكومته الذين شاركوا في عهد الفساد البائد وكانوا جزءا منه لذلك نرفضه ونرفضهم ونطالب بمحاكمته ومحاكمتهم مثلهم مثل من يحاكمون الآن من وزراء سابقين فاسدين ورؤساء مجالس إدارة ورؤساء تحرير فاسدين وكل من شارك في الفساد وكل من حماه وكل من تواطأ معه في زمن العهد البائد.. تسلقت الخشب ورميت في وجهي بزجاجة كبيرة ممتلئة بالمياه ولولا نظارتي الشمسية لضاعت عيني لكن الله لطف والنتيجة جرح أسميه (خربشة) فوق جبيني.. جرح وصفه من حولي بأنه وسام يضاف إلى الوسام الذي منحني إياه الرائع النبيل الدكتور ممدوح حمزة عندما لقبني بلقب مؤرخة الثورة ويا له من لقب ويا له من شرف يثريه أنه جاء من ممدوح حمزة المنكر لذاته والمعطاء دون انتظار لأي مقابل...
*  لست وحدي من فعل ما فعلت.. ولست وحدي من خرج عن صورته النمطية التي اعتاد الآخرون رؤيته عليها.. يعرفني الجميع بوقاري واتزاني، لكنني اليوم والأمس وقبل الأمس تسلقت وقفزت وصرخت وهتفت وسجدت وبكيت وضحكت وفرحت حتى كاد قلبي أن يتوقف والكل فعل وزاد بأن رقص.. إنها الفرحة الجنونية بالانتصار الذي صنعه شعب بأكمله، وإنها الصحوة بعد طول رقاد، وإنها العودة بعد طول غياب.. عودة مصر.. مصر الجديدة.. عودة شعب أصبح مفاجأة ونموذجا وقدوة للجميع عربا وأجانب وأمريكان.. شعب يتحدثون عنه جميعا بإعجاب وفخر دون مجاملة ولا تحفظ.. شعب انطلقت (عدوى) ثورته.. عدوى التطلع إلى النصر لتطول شعوبا أخرى ننتظر بكل ترقب تحقيق انتصاراتهم.. إنها أجمل أنواع العدوى.. فزيدي أيتها العدوى في انطلاقتك وعُمي كافة أرجاء الوطن العربي وكل مكان يدنسه حكام فاسدون ظالمون.. انتشري في كل مكان تعيش فوق أرضه شعوب مقهورة مظلومة.. انطلقي أيتها العدوى شرقا وغربا شمالا وجنوبا وليتك تَصلين إلى الصين الخائف نظامها من انتصار ثورة مصر.. وليتك تختمين انتصاراتك بأجمل وأغلي وأشرف خاتمة في فلسطين الأبية.. وهنا وعن نفسي سوف أغمض عيني هانئة مستريحة..
*  اليوم كنت أريد أن أستكمل رحلة التأريخ لمسيرة الثورة التي بدأتها العدد قبل الماضي مستعرضة لحظاتها لحظة بلحظة ويوما بعد يوم بكل ما تحمله من تفاصيل ومواقف.. لكنني وبدون أن أدري مددت لشعور الفخر يدي وتركته يقود أناملي فوق حروف (اللاب توب) كي أتحدث عن فخري وفخاري.. عن مصريتي.. عن الأبطال الأحباب من شعبي..
*  اليوم وأنا واقفة مع الجمع المحتشد في ميدان التحرير ننتظر أن يبدأ بنا الشيخ العلامة يوسف القرضاوي صلاة الجمعة أخذت أتلفت برأسي أماما وخلفا أشاهد ما يقرب الأربعة من الملايين الذين أتوا إلى ميدان التحرير متأملة إياهم لكي يطمئن قلبي ويتأكد حدسي بأن الأيام الخمسة الماضية التي ابتعد فيها الشعب عن ميدان التحرير، لم تضعف إصراره وتصميمه على أن يكمل المشوار.. أخذت أتأمل الحشد وتأكدت أن حدسي كان صحيحا وأن (راداري) الداخلي كعادته كان صادقا جدا.. أما الأهم فهو أن هذه الأربعة من الملايين الموجودة هذه الجمعة لم تأت كما أتت الملايين في ليلة الجمعة الماضية عقب رحيل الكابوس للاحتفال والرقص والغناء والزغاريد من القلوب، وهي فرحة صادقة ومن حق الشعب أن يعبر عنها في أقصي درجاتها.. أكرر أن الأربعة ملايين التي امتلأ بها ميدان التحرير اليوم كان أغلبهم آتياً لمواصلة الجهاد لتحقيق مشوار النصر حتى الخطوة الأخيرة فيه، ثم الانطلاق إلى حياة جديدة بلا فساد ولا مفسدين ولا قهر ولا ظلم ولا لصوص يسرقون قوت شعب وثروات الوطن.. يسرقون حق فقراء أوصلهم النظام الفاسد السارق إلى التفتيش في أكياس القمامة بحثا عن بقايا من أطعمة الأثرياء.. هل رأيتم ما أوصلنا إليه نظام مبارك وعصابته؟.. وعصابته هذه جزء منها وزراء هم الآن يديرون شئون بلدنا ويرأسهم رئيس وزراء كان شريكا في منظومة الفساد السابقة.. الشعب يعي هذا تماما.. والأربعة ملايين الذين أتوا وانتشروا في الميدان رغم الحواجز والمتاريس والجنازير والمصبات الحديدية التي وضعوها خلال الأيام الخمسة السابقة.. والتي جعلتني كثرتها أتساءل: كم كلفت مصر من أموال أنفقوها لإفشال حالة التواجد الملايينية التي اعتادها ميدان التحرير منذ اندلاع ثورتنا؟.. لكنهم على العكس لم يفشلوها بل هم من فشلوا في إعاقتنا ومنعنا من الالتحام ببعضنا البعض فتسلقنا الحواجز وزحفنا تحت المتاريس الحديدية واخترقنا التريلات الضخمة التي سدت الطرق ووقف فوقها البلطجية لكي يخيفوننا.. وهتفت الملايين الأربعة هتافات جديدة تؤكد أنهم يعرفون أن وجود أحمد شفيق وحكومته يعد انتقاصا من انتصار الثورة، فالشعب كان مطلبه في ثورته منذ البداية محددا وواضحا (الشعب يريد إسقاط النظام).. والشعب لم يعد من السهل أبدا بل من المستحيل الضحك عليه برحيل مبارك وجزء من عصابته التي تقبع الآن في الزنازين وترك جزء منهم يديرون شئون بلدنا حتى ولو تحت مسمي وقتي (حكومة تصريف أعمال).. الشعب يرى في وجود أحمد شفيق ووزراء من العهد البائد أمرا مرفوضا من الشعب يتساوي مع ما كان من رفض لمبارك ووريثه وحزبهم الفاسد وصبيتهم في الإعلام والصحف الشائنة.. الشعب أرسل اليوم رسالته إلى المجلس العسكري وهو يطلق هتافاته الجديدة قوية مدوية تقول: (الشعب يريد تطهير البلاد)... (الشعب يريد محاكمة الفساد).. (لا لسليمان ولا لشفيق).. الأربعة ملايين تقريبا التي امتلأ بها ميدان البطولة ميدان التحرير جاءت لتؤكد للمجلس العسكري أن مطلب الشعب لابد أن يكتمل وأن الثورة لابد أن يكتمل انتصارها وأن الفساد لا يمكن قبول بقاياه وأن المفسدين لن تحميهم حكومة يتحصنون بها من المحاسبة والعقاب..
*  اليوم لم تخل وقفتي من أوقات ألم خدشت فرحتي وأنا محاطة بأعداد كبيرة من الناس البسطاء من أهل مصر الغلابة عرفوا بأنني صحفية فالتفوا حولي يقص كل منهم على حكايات يشيب من هولها الولدان.. ناس بسطاء يروون حكاياتهم بصرخات من القلب عالية كم أتعبتني.. ودموع تنهمر كما المطر تمنيت لو كان في استطاعتي مسحها، لكنني قليلة الحيلة مثلهم ولا أملك من الأمر إلا نشر مآسيهم وفضح كل من ظلمهم ومارس جبروته عليهم ناسيا أن الله يمهل ولا يهمل.. حكايات وحكايات أريد أن أخصص لها مكانا يليق بحجم العذاب الذي عاناه أصحابها في عدد آخر.. أمهات يبكين أبناءهن الذين ضاع مستقبلهم لأن ضابط شرطة رأي في مجرد الاحتجاج على معاملة سيئة دون سبب قلة أدب تستحق تلفيق جريمة حيازة 20 كيلو من المخدرات لشاب في العشرين من عمره، وكلنا نعرف كم عدد سنوات الحبس في قضية كهذه.. وسيدات بائسات ورجال كسرهم وأذلهم ظلم أباطرة حبيب العادلي.. وأب حفرت الأحزان أخاديد فوق قسمات وجهه النحيل وقف محني الظهر يجهش بالبكاء وهو يقص على رحلته يفتش عن طفله ذي الثلاثة عشر عامًا الذي كان يشارك في صنع الثورة في ميدان التحرير نهارا، ويعود ليلا إلى أسرته يطمئنهم.. حتى اختفي تماما منذ يوم الأربعاء الأغبر.. والأب الغلبان حائر بين المستشفيات يفتش عن ابنه أو حتى عن جثته وبين كلام عن أن الطفل مقبوض عليه ولا يعرف له محبسا أو مكانا.. ثم يمسك بيدي بشدة ويريد أن يقبلها فأسحبها كأنني مسني تيار كهربائي ويحلفني بأولادي أن أساعده في العثور على ابنه وأن أعتبره كأنه ابني.. ويستطرد قائلا حضرتك أكيد عارفة قد إيه حرقة فقدان الضنا.. وأختنق بكاء وأطبق شفتي حتى لا تخرج الكلمات قائلة صارخة: وهل هناك من يضارعني في معرفة كم هي حرقة فقد الضنا؟.. لا أريد أن أستطرد في سرد المزيد من الحكايات الآن، فمكانها سيكون في عدد آخر وفي مساحة مخصصة لها..
*  واليوم لم تخل وقفتي من فرحة كبيرة واحتضان صاحبات وجوه مصرية سمراء.. شابات تركن منازلهن منذ بداية الثورة ولمدة تقترب من العشرين يوما يقضين الأيام نهارا وليلا لا يكللن ولا يمللن العمل في المستشفي الميداني لعلاج الجرحي وحالات الإغماءات والمرضي.. شابات منهن أمهات وزوجات نسين فلذات الأكباد وصحبة الأزواج واخترن الانصهار في أتون الثورة.. افتقدت هذه الوجوه الطيبة طيلة الأيام الخمسة الماضية التي لم أذهب فيها إلى ميدان البطولات، وفرحت ونحن نلتقي من جديد اليوم كما لو أنهن أصبحن عائلتي الجديدة.. ومنهن تلك الجميلة الطيبة التي لن أنساها أبدا، والتي كانت تدخل خصيصا كل يوم إلى المركز الصحفي كي تراني، أو تفتش عني قريبا من الإذاعة كي تقبلني وتحتضنني حضن الأخت الطيبة وتدعو لي دعوات من القلب رغم أنني أشعر أمام تضحياتها بأنني لا شيء.. فهي أم لطفل في الثانية عشرة من عمره كان يلازمها التواجد في الميدان منذ بداية الثورة وحتى يوم الأربعاء الأغبر الذي اقتحم فيه البلطجية الميدان، ولأن الطفل هو ابن لهذه البطلة فقد وقف يدافع كما الرجل مع الرجال ضد هجوم السفلة الذين أرسلهم الأكثر سفالة من عصابة مبارك وحزبه الفاسد، فأصيب بكسر في ذراعه وساقه كسرا مضاعفا.. فماذا فعلت الأم؟ ولاحظوا أنها تعمل في التمريض وتعرف خطورة الكسر المضاعف.. أخذت الأم ابنها الصغير إلى المستشفي وتم تجبيس ذراعه وساقه، ثم سافرت به إلى بلدتها ـ فهي ليست من القاهرة ـ ثم عادت في نفس اليوم تاركة ابنها المريض مع والده لتعود من جديد تؤدي واجبها وجهادها الذي ستؤتي أجره مضاعفا من رب العزة من العادل من الرحمن الرحيم..
*  هذا مثال من كثير من أبطال مصر الذي أشارك أنا أشقاءنا العرب في أنني أضع أحذيتهم فوق رأسي..
*  الدكتور أحمد جاء من الشرقية حاملا ابتسامته المليئة بالحياء وتفاؤله الدائم الذي كان يزيد من يقيني.. جاء دكتور أحمد إلى ميدان التحرير تاركا عروسه الحامل في شهورها الأولي فهو عريس جديد وظل ـ كما أخبرني ـ منذ يوم جمعة الغضب (28 يناير) يمارس عمله في المستشفي الميداني دون ذهاب للاطمئنان على عروسه.. أما الأكثر روعة أنه تمسك بالبقاء مع من تمسكوا بعد رحيل مبارك ولم يغادر مكانه إلا مساء الأحد عندما غادرنا جميعا، ليتجه مباشرة إلى محطة السكة الحديد ويستقل القطار إلى الشرقية مرتديا البالطو الأبيض الذي أصبح رماديا.. ويقول مداعبا سوف أحتفظ به كما هو لتراه زوجتي وتتأكد أنني كنت أعمل، ثم يكون هديتي لابني أو ابنتي ليعرفوا كم هي الثورة غالية فلا يفرطون فيها أبدا ولا يسمحون لفاسد أن يعيد ما فعله فسدة نظام مبارك..
*  إنها وجوه لأبطال من شعب مصر عرفهم ميدان البطولات ميدان التحرير ويشتاق إليهم ويشتاقون إليه.. والله إنني اليوم كنت أسرع الخطوات لهفة لأن تدوس قدماي أرضه وأتنفس هواءه وتلسعني سخونة شمسه التي تصادف أن كانت حارقة اليوم.. رغم أنني أحزنني كم المتاريس والحواجز الحديدية التي حاولوا أن يقبحوا بها طبيعة اتساع الميدان وحميمية جغرافيته وتمزيق تلاحم الملايين في كتلة واحدة منتشرة.. لكنهم فشلوا وانتصرت إرادة الأبطال، وروع العدد الرهيب القائمين على الأمن.. وخاف البلطجية المنتشرون بكثرة وسط الناس والذين تفضحهم سيماهم القبيحة ووقفوا وقفة عاجزة خائفة، وواضح أنهم قد استوعبوا درس الأربعاء الأغبر وتعلموا رغم غبائهم أن أصحاب الحق هم دائما الأقوى مهما أعطوهم من جمال أو جياد أو سياط أو سنج أو مولوتوف.. أصحاب الحق الأبطال يوم الأربعاء انتصروا على البلطجية وجعلوهم يفرون كما الفئران فوقفوا اليوم وقفة العاجز منذ البداية ولم يحاولوا حتى أن يحللوا الأجر الذي دفع إليهم مقابل تبويظ الليلة كما وصفها الخائبون من فلول النظام البائد.. ومنذ متي للمأجورين علاقة بأي حلال؟!!
*  كنت أعتقد أن الميدان قد حظي وحده بهذه التظاهرة الأربعة ملايينيه.. لكنني اكتشفت أن هناك ما يقرب من مليون آخر حظيت به الشوارع القريبة من ميدان التحرير مثل شارع طلعت حرب وعبدالسلام عارف بباب اللوق وشارع الجامعة الأمريكية والأهم ميدان لاظوغلي وأمام وزارة الداخلية التي لم يكن أحد من شعب مصر يجرؤ على المرور أمامها وكأنها إقطاعية خاصة للإمبراطور حبيب العادلي.. فوجئت بما لا يقل عن الألفي شخص يقفون أمام مبني الوزارة الضخم يغنون ويرقصون وعندما سألتهم لماذا الغناء والرقص؟ ولماذا هم هنا في ميدان لاظوغلي وليسوا في ميدان التحرير؟ أجابوني: تأكدي أن لكل واحد منا ثأراً مع حبيب العادلي وأفراد أمنه من الشرطة الظالمة فجئنا هنا أخذا بالثأر في شكل غناء ورقص.. وفي لحظة توقف الغناء والرقص وأخذ الجمع يرددون الدعاء وراء واحد منهم على حبيب العادلي وعلى جمال مبارك اللذين وبقية عصابة الوطني قد أذلوهم.. فدعوا عليهم بالذل يرددون الدعاء مجهشين بالبكاء.. وقفت أتأمل بكاءهم.. ومشيت بعيدا عنهم كي لا يري أحد منهم بكائي.. متجهة إلى الجريدة التي أصبحت أحبها وأحب كل طوبة في مبناها.. فجريدة العربي يشهد لها حبر المطبعة الذي لا ينسي ولا يمكن محوه أو إنكاره أنها كانت الجريدة الأولي التي لم تخف ولم تخش فتح باب كان من المحرمات وكان الكل يرتعب من فتحه.. لكن جريدة العربي فتحته واخترقت أعلي خطوطه الحمراء وهي تكشف عن مخطط قميء يعد له.. ويحقر به من شعب مصر ومن مصر.. مخطط توريث مصر لوريث نزل علينا وعلى الحياة السياسية بالبراشوت.. وريث ـ وكما قال الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل ـ سخر النظام جميع مؤسساته طوال السنوات العشر الأخيرة لتحقيق وإنجاح مخطط توريثه الحكم .. عشر سنوات توقف فيها كل شيء في مصر ماعدا ما يخدِّم على مؤامرة التوريث، لتصبح مصر عزبة يمتلكها ويسرقها الابن جمال مبارك كما سرقها من قبله أبوه حسني مبارك طيلة ثلاثين سنة.. كان الجميع يخاف فتح الباب واختراق الخطوط الحمراء في هذه القضية الخطيرة مثلها مثل خطورة نفوذ سوزان مبارك و(غلاوية وسوداوية) قلب جمال مبارك، وثعبانية أحمد عز، وضعف حسني مبارك.. خاف الجميع وابتلع الجميع ألسنتهم حتى بدأت جريدة العربي اختراق المنطقة الخطرة بكل شجاعة ووضوح وكتبنا جميعا دون خوف من عقاب أو حساب يقودنا أخ وزميل شجاع اسمه عبدالله السناوي ولن ننسي أبدا الزميل والأخ عبدالحليم قنديل بقلمه المقاتل القوي عبر ساحة العربي، ثم يستمر في جهاده عبر ساحات أخرى خارج العربي.. وبدأت جريدة العربي مشوار الشجاعة الذي هو الدرجة الأولى في سلم النصر.. فانكسرت الهيبة وحذا الآخرون حذونا.. فشكرا لكتيبة العربي أصحاب القلوب العامرة بحب مصر وشكرا لقائد الكتيبة عبدالله السناوي..
*  ويا مصر آن لكِ أن تفرحي كثيرا بأبنائك المجاهدين في ساحات مختلفة في عناوينها.. لكنها مشتركة في جوهرها ونبلها وإصرارها على مواصلة الانتصارات..
*  وللتأريخ بقية إن شاء الله..

 

كاريكاتير

بحث